مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
188
تفسير مقتنيات الدرر
ابن يصهر أيضا بنت يقال لها : مريم ، لكن هي أكبر من موسى وهارون وهي غير مريم البتول امّ عيسى عليه السّلام وما كان العمرانان في عصر واحد . وبالجملة روي أنّ حنة زوجة عمران كانت عاقرا لم بلد إلى أن عجزت فبينا هي في ظلّ شجرة أبصرت بطائر يطعم فرخا له فتحرّكت نفسه للولد وتمنّته فقالت : يا ربّ إنّ لك عليّ نذرا شكرا إن رزقتني ولدا أن أتصدّق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه ، فحملت بمريم وهلك عمران وهي حامل وذلك قوله : * ( [ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي ] ) * و « النذر » ما يوجبه الإنسان على نفسه وعبّر عن الولد « بما » لإبهام أمره وقصوره عن درجة العقلاء بعد * ( [ مُحَرَّراً ] ) * أي معتقا لخدمة بيت المقدس لا أستخدمه ولا أشغله بأموري فيكون خالصا لخدمة اللَّه ولا يعمل عمل الدنيا ولا يتزوّج ليتفرّغ لعمل الآخرة ، وكان هذا النذر مشروعا شايعا عندهم لأنّ الأمر في دينهم ذلك الزمان أنّ الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع من الانتفاع ويجعلونهم محرّرين لخدمة المسجد ولم يكن لأحد من الأنبياء إلَّا ومن نسله محرّر لبيت المقدس ولم يكن يحرّر إلَّا الغلمان ولا تصلح له الجارية لما يصيبها من الحيض فتحتاج إلى الخروج ولكن حرّرت ما في بطنها مطلقا إمّا لأنّها بنت الأمر على تقدير الذكوريّة أو لأنّها جعلت ذلك النذر وسيلة إلى طلب الولد الذكر . * ( [ فَتَقَبَّلْ مِنِّي ] ) * أي ما نذرت ، والقبّل أخذ الشيء على وجه الرضى * ( [ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ] ) * لجميع المسموعات العليم لكلّ المعلومات الَّتي من جملتها ما في ضميري . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 36 ] فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّه ُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 36 ) . قالت حنة بعد أن وضعت وكانت ترجو أن يكون غلاما فلمّا رأتها أنّ ما وضعت أنثى خجلت واستحيت وقالت منكّسة رأسها : * ( [ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى ] ) * ومرادها الاعتذار من العدول عن النذر لأنّها أنثى ، والضمير المتّصل في « وضعتها » عائد إلى النسمة